.
عادة قديمة جداً لدي: أن أفتح عيني حينما أريد الاستيقاظ..!
وعادة أخرى أيضاً لا تقل قدماً عنها.. أنني أغمضهما لثانية أو ثانيتين ثم أفتحهما أخرى..
كأنني لست مصدقاً أنني استيقظت..
أو أنني ما زلت حياً (لم أرزق بعد) في هذا اليوم سوى هاتين الثانيتين من العمر..!
دعوني أستعرض ممتلكاتي - بالإضافة لتلك الثانيتن الغاليتين - الآن..
لدي هاتف نقال (موبايل).. وآخر أيضاً نقال..
وإمعانا فيما أريد الحديث عنه الآن.. لا هاتف ثابت لدي..!
أملك أيضاً من حطام الدنيا؛ سيارة..
أنوي شراء طائرة حين أصبح وليداً.. (لست أقصد الوليد بن طلال طبعاً فربما عودتي وليداً رضيعاً أرجى لي عند الله من ذلك..!)
حسناً..
حتى الآن.. مازالت الطائرة تحلق في أحلامي..
وتحلق بي حين أنوي القرب.. ممن أبعدتني عنهم.. (أقصد الطائرة.. وليس بالضرورة أني لا أقصد أحلامي..!)
هاتفين أكثر تنقلاً مني..
سيارة..
طائرة (في المواسم)
قطار (حين يؤنبني رحمي على عدم الوصل)
إنترنت.. حين أبعد عني كل ما سبق..!
(طبعاً لا أحتاج لأن أخبركم أني لا أملك الإنترنت.. لكني حقاً محتاج لإخباركم أنها تملكني..)
العديد من وسائل القرب أجمع في ممتلكاتي (الدائمة.. والمؤقتة)
العديد..
ولولاها لما احتجتها..!
لولا أنها موجودة.. لما كنت أحتاج لأن أقترب..!
أو أمثل القرب..
وأحاول القرب..
وأدعي القرب..
ممن أبعدتني عنهم وسائل.... القرب..!
حياتنا يا سادتي ليست سوى بُعد..
نعيش فيه أدوار قرب متقطعة نخترق بها غماماً يُظلم ولا يمطر..!
فما أوجدناه في الحياة من حولنا "كبشر" حتى نكون أقرب..
قادتنا به دوافعنا "اللا بشرية" إلى مزيد من البعد..!
لقد كنا أقرب.. حين كان القرب لا يحتاج إلى وسائل..
ها نحن نرتمي في أتون حياة طاحنة.. بلا دروع..
لمجرد أننا نظن أن مكالمة هاتفية ستؤمّن لنا غطاءً..
أو أن تذكرة على درجة "رجال الأعمال".. تكفي برهاناً على أننا "رجال".. وعلى أن لدينا حياةً مليئة "بالأعمال"..!
بينما نغط في "بعد" سهلته على قلوبنا وسائل "القرب"..!
إننا نجتز من ضمائرنا الإحساس بالمرار قبل أن يستوي.. فنعلن أننا لن نكون إلا "قريبين".. أو أقرباء.. أو حتى..
أبناء..
إخوان..
أصدقاء..
أو.. بشر..
بشر..
بشر..
بشر لا يعيشون إلا أحياء..!
بشر لا يشعرون بقيمة الماء إلا ساعة العطش..!
قبل الطائرة.. كان أقصى مكان يستطيع بشر المغادرة إليه.. يمكنه العودة منه قبل غروب الشمس..!
وقبل السيارة.. لم نكن نحتاج للهاتف لنبرهن أننا مازلنا نملك قلوباً تنبض..
وقبل الهاتف.. لم تكن أعيننا ترسل لنا إشعار (Battery Low) حتى نعاود شحنها بمرأى "القريبين"..!
يغتالنا البعد يا سادة..
يغتال فينا كوننا..
حياتنا التي يفترض أن نحياها..
يجعلنا آخرين..
آخرين جداً..
ضيوف حتى على أنفسنا..
يا سادتي..
في حياتنا من لا يجدي معهم قرب "صوري"..
فحين نريد قرباً يجب ألا نبحث عن وسائل..
يجب أن نكون قريبين..!
قريبين لا يسمحون لمزيد من الوسائل أن تبعدهم.. أو تبعد بهم..!
قريبين لحاجتنا للقرب.. وليس لحاجة الآخرين لقربنا..
قريبين لأننا لا نكون نحن إلا حين نقترب..
قريبين بالدرجة التي تجعلنا نتخلى عن كل الوسائل التي أرسلتنا بعيداً..
قريبين برغم كل المسافات التي مطّت حياتنا.. واختصرت قلوبنا.. ومشاعرنا.. وأعمارنا..!
قريبين بالشكل الذي يجعلنا نؤدي زكاة حياتنا تجاه المستحقين..!
قريبين ممن يستحقون أن نحيا بقربهم..
فلنكسر على "عباس بن فرناس" نشوة محاولته ابعادنا..
ولنعلم "جراهام بل" أننا أقرب من أن نحتاج إلى اختراعه..
ولنري "فورد" كم ضيع من عمره حين قرر أن يصنع "دابته"..
فلنكن أقرب مما نريد.. بكل ما نستطيع..
فربما يأتي الصباح..
ونريد الإستيقاظ..
ولا تفتح أعيننا..!

